صديق الحسيني القنوجي البخاري

574

فتح البيان في مقاصد القرآن

هذا ذاك ، وذاك هذا حال شربهم عن أحوالهم التي كانت في الدنيا ، وما جرى لهم ، وما عملوه ، وذلك من تمام نعيم الجنة ، والتقدير فيقبل بعضهم على بعض وإنما عبر عنهم بالماضي للتأكيد والدلالة على تحقق وقوعه ، قيل : المعنى يشربون ويتحادثون على الشراب كعادة الشراب ، قال الشاعر : فما بقيت من اللذات إلا * أحاديث الكرام على المدام قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ أي من أهل الجنة في حال إقبال بعضهم على بعض بالحديث وسؤال بعضهم لبعض : إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ أي صاحب ملازم لي في الدنيا كافر بالبعث منكر له . قيل : كان قرينه شيطانا ، وقيل : كان من الإنس وقيل : كانا أخوين ، وقيل : كانا شريكين أحدهما كافر اسمه قطروس والآخر مؤمن اسمه يهوذا وهما اللذان قص اللّه خبرهما في سورة الكهف في قوله : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ [ الكهف : 32 ] ، والأول أولى . يَقُولُ لي أَ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ بالبعث والجزاء وهذا الاستفهام من القرين لتوبيخ ذلك المؤمن وتبكيته بإيمانه ، وتصديقه بما وعد اللّه به من البعث ، وكان هذا القول منه في الدنيا ، قرأ الجمهور : مصدقين بتخفيف الصاد من التصديق أي لمن المصدقين بالبعث وقرىء : بتشديدها ولا أدري من قرأ بها ومعناها بعيد لأنها من التصدق لا من التصديق ، ويمكن تأويلها بأنه أنكر عليه التصدق بماله لطلب الثواب ، وعلل ذلك باستبعاد البعث ثم ذكر ما يدل على الاستبعاد للبعث عنده وفي زعمه فقال : أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ أي لمجزيون بأعمالها ومحاسبون بها بعد أن صرنا ترابا وعظاما ، وقيل : معنى مدينون مسوسون يقال : دانه إذا ساسه ، وقد اختلف القراء في هذه الاستفهامات الثلاثة فقرأ نافع الأولى والثانية بالاستفهام بهمزة والثالثة بكسر الألف من غير الاستفهام ووافقه الكسائي إلا أنه يستفهم الثالثة بهمزتين ، وابن عامر الأولى والثالثة بهمزتين ، والثانية بكسر الألف من غير استفهام والباقون بالاستفهام في جميعها ثم اختلفوا ، فابن كثير يستفهم بهمزة واحدة غير مطولة وبعده ساكنة خفيفة ، وأبو عمرو مطولة وعاصم وحمزة بهمزتين . قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ القائل هو المؤمن الذي في الجنة بعد ما حكى لجلسائه فيها ما قاله له قرينه في الدنيا ، أي هل أنتم يا إخواني مطلعون إلى أهل النار لأريكم ذلك القرين الذي قال لي تلك المقالة ؟ كيف منزلته في النار فيقول أهل الجنة أنت أعرف به منا . قال ابن الأعرابي : والاستفهام هو بمعنى الأمر ، أي اطلعوا ، وقيل القائل هو اللّه سبحانه ، وقيل : الملائكة والأول أولى ، قرأ الجمهور : مُطَّلِعُونَ بتشديد الطاء مفتوحة ،